رائحة الصمود: "سميرة" تذيب قسوة الشلل والنزوح بصناعة البخور

عدد المشاهدات 1

لم يكن النزوح خياراً للمستفيدة "سميرة طاهر يحيى" ذات الاثنين وثلاثين عاماً؛ بل كان قدراً فرضته الحرب حين التهمت نيرانها قريتها "منظر" بمديرية الحوك. فرّت سميرة مع زوجها وطفليها البالغين من العمر ثلاث وخمس سنوات بما خفّ حمله من ثياب، تاركين خلفهم منزلهم واستقرارهم، لينتهي بهم المطاف في خيمة متهالكة بمخيم "الجشة" في مديرية الخوخة بالحديدة.

وفي محاولة لتأمين لقمة العيش وتوفير المتطلبات القاسية لحياة المخيم، عمل زوج سميرة في نقل الأحجار والطين بالأجر اليومي. لكن المأساة الحقيقية باغتت الأسرة أثناء عمله، إذ انزلقت قدماه وسقط من أعلى سلم بالدور الثالث على ظهره، مما أسفر عن إصابته بكسر في العمود الفقري أقعده الفراش وحرمه من الحركة تماماً. انهار الوضع النفسي والمعيشي للأسرة بشكل متسارع، وأمام مشهد أطفالها الجوعى وزوجها المشلول، وجدت سميرة نفسها مجبرة على مد يدها للآخرين لتأمين ثمن العلاج وقوت يوم صغيريها، وسط شعور مرير بالعجز والانكسار.

أشرق فجر جديد في حياة سميرة حين أرشدتها إحدى صديقاتها إلى المساحة الآمنة للنساء والفتيات بالخوخة، حيث استقبلها فريق إدارة الحالة بالمؤسسة، وجرى على الفور وضع خطة استجابة متكاملة تراعي وضعها الإنساني الحرج عبر مسارين متوازيين. تمثل المسار الأول في تقديم المساندة النفسية والاجتماعية عبر جلسات دعم نفسي مكثفة بإشراف الأخصائية المختصة، لمساعدتها على تفريغ الصدمة والضغط النفسي الثقيل الناتج عن إصابة زوجها، واستعادة توازنها لتصبح قادرة على قيادة أسرتها بثبات.

وتكاملت هذه المساندة مع مسار التأهيل المهني، حيث أُلحقت سميرة بناءً على رغبتها وميولها ببرنامج التدريب المهني في مجال "صناعة البخور والعطور"، لتكتسب مهارات دمج العطور وطبخ البخور باحترافية عالية كحرفة تؤهلها للاستقلال المالي والاعتماد الكامل على الذات.

تُوّجت هذه الرحلة المضيئة بمنح سميرة حقيبة التمكين الاقتصادي ضمن منحة سبل العيش للحالات الأشد ضعفاً لعام 2025م، والتي احتوت على المواد الخام الأساسية للعطور والبخور. ومن داخل خيمتها البسيطة، بدأت سميرة بالإنتاج والبيع لجاراتها وصديقاتها في المخيم بجد وإصرار. ولم تمضِ أربعة أشهر على استلام المنحة حتى تحول مشروعها الصغير إلى مصدر دخل مستدام ومدرّ للربح، وبفضل مبيعاتها المتميزة، تمكنت سميرة من توفير المتطلبات الضرورية لأسرتها وتأمين العلاج المستمر لزوجها المقعد، لتغلق خلفها باب الحاجة ومد اليد للآخرين نهائياً، معلنةً انطلاق حياة جديدة عنوانها الكرامة.

حقق هذا التدخل الإنساني القائم على النهج المتكامل نتائج ملموسة ومستدامة تجلت في التعافي المعيشي والاقتصادي عبر تحويل الأسرة من حالة العوز والاعتماد على المساعدات إلى الاكتفاء الذاتي وتأمين تكاليف علاج رب الأسرة بانتظام، يرافقه الاستقرار النفسي والأسري من خلال تقليل حدة القلق والتوتر لدى الأم وتأمين بيئة مستقرة وصحية لنمو الأطفال رغم قسوة الظروف. كما ساهم التدخل في التمكين وبناء القدرات بتزويد امرأة من الفئات الأشد ضعفاً بحرفة تسويقية مستدامة تضمن صمود عائلتها في المستقبل.

تجسد قصة سميرة الأثر الحقيقي المستدام لمشروع "توفير خدمات سبل العيش للنساء والفتيات الأشد ضعفاً في اليمن"، الذي تنفذه مؤسسة فورهيومن للتنمية (FHD) بدعم وتمويل من صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، لتظل هذه المشاريع بمثابة جسور العبور الآمن من عمق الأزمات إلى فضاء الإنتاج والكرامة الإنسانية.