في الثامنة والثلاثين من عمرها، تجسد "نورة عبده مهدي" مأساة مزدوجة؛ فبعد أن جردتها الحرب من طموحها في إكمال تعليمها الجامعي بسبب أعباء الزواج المبكر وتربية الأبناء، جاءت موجة النزوح القسري لتعصف بما تبقى لها من استقرار. هربت نورة مع أسرتها ووالدتها التي تعولها من قريتها في الحديدة إلى مديرية "الخوخة"، لتستقر في خيمة متواضعة بمخيم "بني جابر".
هناك، تجمعت كل فصول المعاناة من مرارة النزوح، وقسوة الفقر، وانعدام مصادر الدخل، وصولاً إلى التحديات الاجتماعية الإضافية لكونها تنتمي للفئات المهمشة. تحولت الخيمة إلى مساحة ضيقة تحاصر أحلام نورة، وبات تأمين القوت اليومي عبئاً يثقل كاهلها ويسلب أسرتها الابتسامة، وسط واقع إنساني مرير كاد أن يطفئ شعلة الأمل داخلها لولا عزيمتها الصلبة.
بدأت نقطة التحول عندما جرى اختيار نورة لتكون إحدى مستفيدات المساحة الآمنة للنساء والفتيات في الخوخة، حيث خضعت لبرنامج تدريبي مكثف ومتكامل صُمم ليعيد ثقتها بنفسها ويمنحها أدوات الاستدامة عبر مسارين متكاملين. تمثل المسار الأول في برنامج المهارات الحياتية والتسويقية الذي تعلمت من خلاله أسس إدارة المشاريع الصغيرة وكيفية التعامل المرن والذكي مع السوق والتجار، وتكامل ذلك مع برنامج الخياطة والتطريز لتدريبها حرفياً على أدوات الإنتاج والعمل اليدوي المبدع.
وقد وصفت نورة هذه المرحلة الفارقة من حياتها مؤكدة أنها استطاعت في دورة المهارات والخياطة أن تكتشف كينونتها كإنسانة قادرة على الإنتاج والعطاء، لتتفتح أمامها دروب مضيئة لحياة أجمل ومستقبل كريم لطالما حلمت به وسعت إليه لسنوات طويلة.
تُوّج هذا التدخل الإنساني بمنح نورة حقيبة التمكين الاقتصادي التي تحتوي على مكائن ومستلزمات خياطة متكاملة، وبإرادة صلبة لا تلين، حوّلت جزءاً من خيمتها في المخيم إلى محل صغير ومشغل خاص بها. لم تكتفِ نورة بالعمل البسيط، بل بدأت بتطبيق مهاراتها التسويقية عملياً عبر بناء شراكات ذكية مع تجار في السوق المحلية لأخذ قطع القماش بالجملة وإعادة حياكتها وتطريزها بلمساتها الإبداعية المتميزة. واليوم، يشهد محلها الصغير داخل المخيم إقبالاً واسعاً من الأهالي، ليتجاوز المشروع كونه مجرد مصدر لقمة العيش، بل أصبح كالزهرة التي نبتت في صخرة صماء لتبث روح البقاء والحلم في المخيم بأكمله.
حقق هذا المشروع استجابة نوعية ومتكاملة تجلت في أثر ملموس بأبعاد متعددة، أولها العائد الاقتصادي المجزي الذي أسهم في تحسين الدخل الأسري وتأمين متطلبات الأسرة والوالدة وتقليل الاعتماد على المساعدات الطارئة، يرافقه الأثر النفسي والاجتماعي العميق المتمثل في استعادة الثقة بالنفس وتخطي العوائق النفسية المرتبطة بالنزوح والتهميش، لتتحول نورة إلى حلقة وصل تجارية إنتاجية ملهمة في المخيم. وتكللت هذه النتائج بـ إعادة الأمل والابتسامة والاستقرار لأسرة عانت طويلاً من ويلات الحرب والتهجير.
تأتي قصة نجاح نورة كشاهد استثنائي على فاعلية مشروع "توفير خدمات سبل العيش للنساء والفتيات الأشد ضعفاً في اليمن"، الذي تنفذه مؤسسة فورهيومن للتنمية (FHD) بتمويل ورعاية من صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، ليبقى التمكين الاقتصادي هو نافذة الحياة والبناء الحقيقية للمجتمعات النازحة.